محمد سعيد رمضان البوطي
20
فقه السيرة ( البوطي )
وأما الرومان : فقد كانت تسيطر عليها الروح الاستعمارية ، وكانت منهمكة في خلاف ديني بينها من جهة وبين نصارى الشام ومصر من جهة أخرى ، وكانت تعتمد على قوتها العسكرية وطموحها الاستعماري في مغامرة عجيبة من أجل تطوير المسيحية والتلاعب بها حسبما توحي به مطامعها وأهواؤها المستشرية . ولم تكن هذه الدولة في الوقت نفسه أقل انحلالا من دولة الفرس ، فقد كانت تسودها حياة التبذل والانحطاط والظلم الاقتصادي من جراء كثرة الأتاوات ، ومضاعفة الضرائب . أما اليونان : فقد كانت غارقة في هوسات من خرافاتها وأساطيرها الكلامية التي منيت بها دون أن ترقى منها إلى ثمرة أو نتيجة مفيدة . وأما الهند : فقد كانت كما قال عنها الأستاذ أبو الحسن الندوي : إنه قد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها أن أحط أدوارها ديانة وخلقا واجتماعا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس عشر الميلادي ، فقد ساهمت الهند مع جاراتها وشقيقاتها في التدهور الأخلاقي والاجتماعي « 1 » . هذا ، وينبغي أن نعلم أن القدر المشترك الذي أوقع هذه الأمم المختلفة فيما وقعت فيه من انحلال واضطراب وشقاء ، إنما هو الحضارة والمدنية اللتان تقومان على أساس من القيم المادية وحدها دون أن يكون ثمة مثل أعلى يقود هذه الحضارة والمدنية في سبيلهما المستقيم الصحيح ، ذلك أن الحضارة بمختلف مقوماتها ومظاهرها ليست سوى وسيلة وسبب . . فإن عدم أهلها التفكير الصائب والمثل الأعلى الصحيح استحالت الحضارة في أيديهم إلى وسيلة للنزول بها إلى درك الشقاء والاضطراب ، أما إن أوتي أهلها مقياسا من العقل الرشيد الذي قلما يأتي إلا بواسطة الدين والوحي الإلهي ، فإن القيم الحضارية والمدنية كلها تصبح وسائل جميلة سهلة إلى السعادة التامة في مختلف أنواعها ومظاهرها . أما الجزيرة العربية : فقد كانت هادئة ، بعيدة بل منعزلة عن مظاهر هذه الاضطرابات كلها ، فلم يكن لدى أهلها من الترف والمدنية الفارسية ما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الانحلال وفلسفة مظاهر الإباحية والانحطاط الخلقي ووضعها في قوالب من الدين ، ولم يكن لديهم من الطغيان العسكري الروماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلط على أي رقعة
--> ( 1 ) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين : 28 .